Thursday, May 21, 2009

أبطال الخيال

حالة من الإفلاس الفكري عشتها في الفترة الماضية، أحسست أن جعبتي خاوية، لا فكر ولا لفظ ولا دلالة، بين الحين والآخر، كانت دوافع تستثيرني للكتابة...فتاة تُقبّل وتحتضن رئيس تحرير يكبرها بأعوام في عيد ميلاده لتتقرب إليه، أخرى تمسح فضلات شاب يخادعها.
آخر، يسبُ دين الله لأن الكرة لم تدخل المرمى، وآخر تُشغله حبيبته عن كل شئ، وجميلة تدّعي المرض لتُسقط شابًا لا يريدها، كل هذا لم يحرك "آلة الكتابة" بداخلي، لم يستفزني غبي تجاوز الخمسين من عمره ولم يفقه من الحياة إلا "س" و "ج" و"ص" و "ع"، ولم تدفعني مؤامرات ومهاترات وتربص بي لأن أكتب كلمة واحدة.
ما أثار قلمي، وحرك "آلة" الكتابة بداخلي، هو الاتجاه الذي تسير فيه حياتنا، كنت أؤمن أننا نوجه الأحداث، نصنعها، نُعدّلها، نُغيّرها، ونمحوها في إطار قدرتنا البشرية، ولكنَّ لحظات التأمل، تجعلني أقسم أن أكثر تفاصيل حياتنا، ليست من صنعنا.. أنا لا أتحدث عن علاقة بين خالق ومخلوق، لا أتحدث عن قدرة على الإيجاد من عدم، ولكن عن علاقة بين فعل وفاعل، علاقة يعجز الفاعل فيها عن القيام باي شئ، هو فقط ينتظر حتى يأذن له المفعول، ويأذن الله في الانفعال، فيتم الفعل، رغم أنفه!
في حياتنا، نفعل أشياءً لا نريدها ، ونؤمن بأشياء ولا نقوى على الجهر بها، نكفر بأشياء وندعو لها، ومحصلة ذلك .. اغتراب وتشتت، المحصلة أن تُنكر نفسك، تُنكر ما تؤمن به.
في حياتنا، تفاصيل كثيرة، وتجارب مُختلفة، أشعر أننا نعشق التعقيد ونكره البساطة، نحب أن نصل للهدف من أبعد الطرق، نُركز في تفاصيل لا يهتم بها أحد، ونجد متعتنا في تعذيب الآخرين.
نُحب أن ننسُجَ من الخيال قصصًا نكون فيها أبطالاً غير تقليديين، مثاليين لأقصى حد في "الصور" و"الرسوم"، عُلماء في "الخيال"، "سقط" على أرض الواقع، علونا في الوهم، يقابله سفول في الحقيقة، سعادتنا بين الجموع، يُقابلها شقاء لا يفارقنا في الخلوات.
حياتنا تبحث عن معنى، ونحن نبحث عن حياة للمعنى، كل منا يسير في طريق، وبين ما نؤمن به، وما ندعو إليه، بين حقيقتها وباطلنا، بين واقعها وخيالنا، فجوة تتسع بإصرارنا على الإيمان بشئ وعمل نقيضه.
لا أعرف دواءً، ولا أجد حلولاً أقوى عليها، ما يُقلقني أن يأتي الغد، دون أن نمزق الصور والرسوم، يأتي ونحن نبحث عن تفاصيل جديدة لأبطال عاشوا وماتوا في الخيال.

Tuesday, March 17, 2009

2 "هلوسه"

كثيرًا ما نكتسب قوتنا من ضعف الآخرين، نعلو لسفولهم، ونتقدم لتراجعهم، هذه الحقيقة، التي أؤمن بها، نبهتني إلى مقدار نفسي ، لست قويًا ولكنهم ضعفاء، لست ذكيًا ولكنهم أغبياء.
من هذا المنطلق، وجدت نفسي كاتبًا كبيرًا، عظيمًا، مُبجّلاً.. الكل الآن يكتب، مَن زاده في الحياه كلمة قرأها يكتب، ومن لم يصل بعد لمرحلة "البلوغ" الثقافي والمعرفي يكتب، ومن كانت بالأمس لا تفقه الفارق بين "التقرير الصحفي" وأخيه "التحقيق" أصبحت الآن كاتبة كبيرة وصحفية لامعة، ولأنني لا أقل شيئًا عنهم، بل أزيد بقليل من الثقة، وقدرًا من الثبات على مبادئ أؤمن بصحتها فقد قررت اتحاف العالم بكتاباتي.
لم لا أكتب؟، لم لا أتحدث؟، ولم أيضًا لا أجبر القراء على متابعة تحليلاتي القيمة؟، فأنا أعلم كل شئ؟، أعرف بواطن الأمور؟، وأرى بعينيّ ما لايراه البشر؟.. قد أكون في العشرينات من عمري، ولكن تحليلاتي وتفسيراتي لا مثيل لها، أليست هذه حقيقة؟ بلى.. الكل يعلم ذلك، لست في حاجة إلى إجابة من أحد.
لا، لست مغرورًا، هم يدّعون التواضع، وهم أغبياء، تحليلاتهم للأمور ساذجة، لا يتجاوزون ظاهر الكلمات، ولكن لأنني درست كل العلوم، وأجدت كل اللغات، أستطيع أن أُنبأك بما يجهلوه.. ولا يُنبأك مثل خبير..
هل تظن أن صدام حسين مات معدومًا؟.. لا، لم يُقتل، ولم يُعدم، ما زال حيًا، لكن أين هو؟، .. لا لن أخبرك، هذا سر بيني وبينه، حادثني منذ أيام واتفقنا على اللقاء !!
لماذا تم الإفراج عن أيمن نور؟ .. لظروفه الصحية؟ لا .. لا تكن بهذه السذاجة، علمت من مصادري داخل قصر الرئاسة السبب الحقيقي للإفراج، .. نعم ، من داخل قصر الرئاسة، ولن أقول من أخبرني لأنك لن تصدق.
باستطاعتي أن أنبأك أيضًا بالسر الخفي لاستبعاد محمد بركات من المنتخب طوال الفترة الماضية، وماذا قال لحسن شحاته حين ألتقيا في إحدى الجلسات، وسبب تجاهل مانويل جوزيه للقطري حسين ياسر، وأسباب مشاركة عمرو عادل مؤخرًا مع الزمالك رغم أخطائه المتكرره.
بمقدوري، أن أتلو عليك من فاتحة القرآن حتى سورة الناس، فأنا شيخ، إمام، وهذا معروف للجميع، وبإمكاني أيضًا أن أعد لك عدد المشاهد التي ظهرت فيها الفنانة "س" عارية في أحدث كليباتها، فأنا أيضًا أعشق الجمال وأحب التحرر!!
بمقدوري، أن أكتب قصة بالعامية المصرية، أحصل بها على جائزة نوبل !!، وإن كنت لا أهتم بذلك، وبإمكاني أيضًا أن أكتب ديوانًا بالفصحى، يُثير المتنبي في مرقده.
لا تتعجب، فأنت تقرأ لكاتب فذ، عملاق، لا يُشق له غبار في كل المجالات والعلوم.
ما زلت في العشرينات، لكنني أعرف كل ما يدور في العالم وأنا جالس على المكتب "بشيّت" أو فاتح "الفيس بوك"، وأعرف أيضًا أن رؤسائي في العمل "أغبياء"، قادتهم الصدفة و"الكوسة" لتولي هذه المناصب، ولكنني لست مثلهم، ولن أكون أبدًا.
أعرف أن كل البشر يحقدون علىّ، فأنا إنسان مثاليّ، ولولا أن الصلة بين الأرض والسماء انقطعت لقالوا إنني من الأنبياء، علم وخلق وهدوء ووقار .. لا لا.. لا أريد أن أتحدث عن نفسي كثيرًا، أنتم تعرفون!!
في الحقيقة، قد أبدو متواضعًا بعض الشئ، وهذه أيضًا إبراز سماتي في الحياة..

Wednesday, February 18, 2009

في الرؤيه

كنت أبحث عن تقرير كتبته قبل فترة حين كنت أعمل في جريدة الـ"رؤيه" الكويتية، دخلت الموقع الالكتروني للجريدة وبحثت في أرشيفها، وجدت الموضوع بسهولة شديدة، وتذكرت اليوم الذي كتبته فيه، كان قبل نهاية العام الماضي بثلاثة أو أربعة أيام، وكان التقرير واحدًا من عشرة تقارير كتبناها "أنا ومهند" عن حصاد الرياضة في عام 2008
بدأت أقرأ التقرير الذي كان يتحدث عن الآليات التي لجأ إليها الاتحاد الدولي لكرة القدم لفرض سيطرته على منافسات كرة القدم خلال هذا العام، حفظت التقرير على حاسوبي الخاص، وبدأت أتذكر "معالم" الـ"رؤيه" و"سحرها" الخاص الذي كان يضفى لمسة من "الجمال" و"البهاء"على كل من فيها، وكان يحيل وجوهًا قبيحة ونفوس بهيمية إلى أشخاص مقبولين تستثاغ معاشرتهم، ويرفع أشخاصاً عاديين إلى درجة الملائكة
وكعادتي، حين أمسك بورقة وقلم، أو أضع يدي على الـ" كي بورد"، تتداخل الأوراق، وتتزاحم المعاني، وأجد نفسي مشتتًا، تذكرت الآن إجابة كدت أقولها لشخص حين سألني : أيهما أفضل الـ"رؤيه" أم المكان الذي تعمل فيه الآن؟، كدت أقول له ما قاله الإمام أحمد حين سأله شخص أيهما أفضل معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال : لتراب سقط على أنف معاوية خير من ملء الأرض من أمثال عمر بن عبد العزيز، كدت أقول لغبار على جدران الـ"رؤيه" خير من ملء الأرض من غيرها
في الـ"رؤيه"، كانت لمسة من "جمال"، ولمحة من "عبقرية"، وهدوء كفيل بإنجاح أي عمل، وكان للطبيعة سحرها علىّ وعلى كل محب لها، ففي النهار، كانت مياه النيل تعكس أشعة الشمس فترتد على زجاج الـ"برج" المواجه للرؤية في مشهد بديع، كنت أرى الطيور تُحلق أسفل مني، تنظر إليّ وعلى وجهها علامات الدهشة من هذا الإنسان الذي تنظر إليه ولا ينظر إليها، ويعلوها ولا تعلوه، وكانت هناك تلك الطيور الصغيرة التي تشبه الـ"خفافيش" ..كانت تُحلق من الرابعة عصرًا وحتى غروب الشمس
في الـ"رؤيه"، تولدت في قلبي معان جديدة، واكتشفت حقائق كثيرة، أولها وأهمها هى أنني إنسان عادي، لا توجد بي صفة واحدة تجعلني أتفوق على أحد، إنسان فقد كل مقومات "التفوق" الذي كان يُعرف به، وتأكدت مع السقوط المتكرر في كل اختبار أنني أيضًا لم أعد هذا الذي تنظر إليه العيون باحترام، فقدت – أمام نفسي والناس- كل ما تميزت به خلال أعوام طويلة
في الـ"رؤيه"، كان اكتشافًا آخر، هو أن أناسًا تعاملت معهم كثيرًا، ولم أولِ أيًا منهم اهتمامًا، كان كل منهم يحلم في يوم أن يكون مثلي، اكتشفت أنهم أصبحوا يفضلونني كثيرًا، وأجبرني حسن أخلاقهم على محاولة التغير حتى أسير في ركابهم، أجبرني هدوئهم، وسماحتهم، وعفوهم المتكرر رغم إصراري على الخطأ على إعلان إفلاسي خُلقيًا ودينيًا
في الـ"رؤيه"، كانت إطلالة على عالم جديد، مع نماذج مختلفة من البشر، بين ملاك تتشرف العين برؤيتة، وبين شاب طموح يسعى جاهدًا بكل ما أوتى من قوة، وبين عجوز متصاب، تساقطت أسنانه، ولم يتب عن مغازلة الفتيات، هناك، تعاملت مع سُذّج لا يعلمون شيئًا عن الدنيا، وتعاملت مع عُباد للمال والدنيا، تعاملت مع مغرور لئيم، ومع متواضع صادق ونقي
لا أعلم، لماذا أكتب عن الـ"رؤيه" الآن، ربما لأنني وعدت بذلك من قبل، أو لأنني أعيشها الآن رغم مفارقتي لها، ربما لأن حالة من الملل تلازمني في عملي الجديد، وتدفعني بين الحين والآخر للهروب إلى ذكريات الـ"رؤيه" والتحصن بها، ربما لآن مشهد من الـ"رؤيه" يكاد يتكرر بكل تفاصيله الآن وبعد عام من انتهائه، أو لأن أيامًا قليلة تفصل بين حادثين أولاهما سعيد والآخر حزين عشتهما في العام الماضي في الـ"رؤيه" أيضًا

Wednesday, December 17, 2008

جرح لا يعرف الضماد

ما زلت أبحث عن دواء لهذا الجرح الراعف الذي يبدو أنه لن يُشفى ولن تزول تبعاته أبدًا، ومع حالة الملل والاكتئاب التي أعيشها، أجد نفسي مدفوعًا إلى طريقة واحدة لعلاجه، شبيهة بالمسكن الذي يُخفف الآلام ولو لدقائق معدودة ثم تزول آثاره ويبقى الجرح على حاله.
من جديد، عدت لأفكر في مهاجمة إنسان لا ذنب له إلا أنه برئ بكل ما تحمله الكلمة من معان، نعم، أريد الانتقام من إنسان لم أر شبيهًا له في العلم والخلق، أريد أن تبكيه كلماتي، ليدرك "حجم" فعلته التي اخترعتها "أنا".
الآن، أُنشّط ذاكرتي، واستدعي أحداثًا مختلفة، أحاول أن أتذكر كيف أصبت في المرة السابقة، وكيف نجحتُ في إبكاء هذا الـ"برئ"، وكيف سالت دموعه التي اسمّيها كما سمّاها صديقي الشاعر "دمع الرسل".
استنفذت كل طاقتي الذهنية دون جدوى، ذاكرتي تمنّعت، فوجئتُ بشئ غريب، أنني كلما حاولت تذكُر الطريقة التي آلمته بها، كلما ازداد حبي لهذا الشخص، وأدركت أن ذاكرتي محت – من نفسها – ما تريد وأبقت ما تريد، الآن أحاول أن أتذكر دموعه فلا تفارقني ابتسامته، أبحث عمّا كان يغضبه فلا أتذكر سوى ما يحب.
باءت كل محاولاتي بالفشل، زادت آلالام جرح قلبي، وأيقنت أنه لا ضماد.

Sunday, December 7, 2008

اجتلاء العيد .....

جاء يوم العيد، يوم الخروج من زمن إلى زمن وحده لا يستمر أكثر من يوم
زمن قصير ظريف ضاحك، تفرضه الأديان على الناس، ليكون لهم بين الحين والحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها.
يوم السلام والبشر والضحك والوفاء والإخاء وقول الإنسان للإنسان : " وأنتم بخير "
يوم الثياب الجديدة على الكل إشعارًا لهم بأن الوجه الإنساني جديد في هذا اليوم.
يوم الزينة التي لا يراد منها إلا إظهار أثرها على النفس ليكون الناس جميعًا في يوم حب.
يوم العيد، يوم تقديم الحلوى إلى كل فم لتحلو الكلمات فيه.
يوم تعم فيه الناس ألفاظ الدعاء والتهنئة مرتفعة بقوة إلهية فوق منازعات الحياة.
ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسه نظرة تلمح فيها السعادة، وإلى أهله نظرة تُبصر الاعتزاز، وإلى داره نظرة تدرك الجمال، وإلي الناس نظرة ترى الصداقة.
ومن كل هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياة والعالم، فتبتهج نفسه بالعالم والحياة.
وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكل جماله في الكل.
وخرجت أجتلي العيد في مظهره الحقيقي على هؤلاء الأطفال السعداء، على هذه الوجوه النضرة التي كبرت فيها ابتسامات الرضاع فصارت ضحكات، وهذه العيون الحالمة التي إذا بكت بكت بدموع لا ثقل لها.
وهذه الأفواه الصغيرة التي تنطق بأصوات لا تزال فيها نبرات الحنان من تقليد لغة الأم، وهذه الأجسام الغضة القريبة العهد بالضمات واللثمات فلا يزال حولها جو القلب.
على هؤلاء الأطفال السعداء الذين لا يعرفون للحياة قياسًا للزمن إلا بالسرور، وكل منهم مملكة في مملكة، وظرفهم هو أمرهم المملوكي.
هؤلاء المجتمعين في ثيابهم الجديدة المصبغة، اجتماع قوس قزح في ألوانه، ثياب عملت فيها المصانع والقلوب، فلا يتم جمالها إلا بأن يراها الأب والأم على أطفالهما.
ثياب جديدة يلبسونها فيكونون هم أنفسهم ثوبًا جديدًا على الدنيا.
هؤلاء السحرة الصغار الذين يخرجون لأنفسهم معني الكنز الثمين من قرشين.
ويسحرون العيد فإذا هو يوم صغير مثلهم جاء يدعوهم إلى اللعب، وينتبهون في هذا اليوم مع الفجر فيبقي على قلوبهم إلى غروب الشمس، ويلقون أنفسهم على العالم المنظور، فيبنون كل شيء على أحد المعنيين الثابتين في نفس الطفل: الحب الخالص، واللهو الخالص.
ويبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة، فيكون هذا بعينه هو قربهم من حقيقتها السعيدة.
هؤلاء الأطفال الذين هم السهولة قبل أن تتعقد، والذين يرون العالم في أول ما ينمو الخيال ويتجاوز ويمتد، يفتشون الأقدار من ظاهرها، ولا يستطيعون كي لا يتألموا بلا طائل، ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها ، ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء كيلا يوجدوا بها الهم.

قانعون يكتفون بالتمرة، ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها
ويعرفون كنه الحقيقة، وهي أن العبرة بروح النعمة لا بمقدارها، فيجدون من الفرح في تغيير الثوب للجسم، أكثر مما يجده القائد الفاتح في تغيير ثوب المملكة.
هؤلاء الحكماء الذين يشبه كل واحد منهم آدم أول مجيئه إلى الدنيا، حين لم تكن بين الأرض والسماء خليقة ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضر.
حكمتهم العليا : أن الفكر السامي هو جعل السرور فكرًا وإظهاره في العمل، وشعرهم البديع : أن الجمال والحب ليسا في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها عاشقة للفرح.

هؤلاء الفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة علمية، وهي أن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة، وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها المُيسرة، أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلى بهموم الكثرة الخيالية، ومثلها في الهم مثل طُفيلي مغفل يحزن لأنه لا يأكل في بطنين.
وإذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس كثرت السعادة ولو من قلة، فالطفل يُقلب عينيه في نساء كثيرات، ولكن أمه هي أجملهن وإن كانت شوهاء، فأمه وحدها هي أم قلبه، ثم لا معني للكثرة في هذا القلب.
هذا هو السر ، خذوه أيها الحكماء عن الطفل الصغير

وتأملت الأطفال وأثر العيد على نفوسهم التي وسعت من البشاشة فوق ملئها، فإذا لسان حالهم يقول للكبار: أيها البهائم اخلعي أرسانك ( ما يوضع على أنف الدابة )ولو يومًا .
أيها الناس انطلقوا في الدنيا انطلاق الأطفال يوجدون حقيقتهم البريئة الضاحكة
لا كما تصنعون إذ تنطلقون انطلاق الوحش يوجد حقيقته المفترسة.
أحرار، حرية نشاط الكون ينبعث كالفوضى، ولكن في أدق النواميس، يُثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف، لأنهم على وفاق مع الطبيعة.
وتحتدم بينهم المعارك ، ولكن لا تتحطم فيها إلا اللُعب
أما الكبار فيصنعون المدفع الضخم من الحديد، للجسم اللين من العظم.
أيتها البهائم، اخلعي أرسانك ولو يومًا

لا يفرح أطفال الدار كفرحهم بطفل يولد، فهم يستقبلونه كأنه محتاج إلى عقولهم الصغيرة، ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر الخلق، لقربهم من هذا السـر، وكذلك تحمل السنة ثم تلد الأطفال يوم العيد، فيستقبلونه كأنه مُحتاج إلى لهوهم الطبيعي.

ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر العالم لقلوبهم من هذا السر
فيا أسفًا علينا نحن الكبار، ما أبعدنا عن سر الخلق بآثام العمر
وما أبعدنا عن سر العالم بهذه الشهوات الكافرة التي لا تؤمن إلا بالمادة
يا أسفًا علينا نحن الكبار، ما أبعدنا عن حقيقة الفرح، تكاد آثامنا والله تجعل لنا في كل فرحة خجلة

أيتها الرياض المنورة بأزهارها
أيتها الطيور المغردة بألحانها
أيتها الأشجار المصفقة أغصانها
أيتها النجوم المتلألئة بالنور الدائم
أنتِ شتٌي، ولكنكِ جميعًا في هؤلاء الأطفال يوم العيد




من وحي القلم للرافعي





Tuesday, October 28, 2008

هلوسة

لحظات الفراغ فرصة جيدة للتفكر والكتابة، تأتي قليلاً ولكن يبقى أثرها في النفس طويلاً، هي فرصة للمصارحة والمكاشفة ولإعادة ترتيب الأوراق
كلما جاءت نبهتني إلى حالة من "الخواء العاطفي" أعيشها، تذكرني أنني بلا "حبيبة"، انتظر مكالماتها واتلهف لسماع صوتها، أحيانًا تدفعني هذه الحالة إلى تقمص دور "المحب" لأعيشه عبر لحظات في قصة، اكتبها بيدي أكون فيها المؤلف والبطل، انهيها نهاية غامضة حزينة تناسب شخصي حتى يظن قارئها أنها حدثت لي في الحقيقة
ربما ستدفعني هذه الحالة لمصادقة فتاة، أزيل عن وجهها آثار "المكياج" لتبقى عارية الوجة، ثم أشكله كما أريد، فأضع عدستين على عينيها، وأرسم فوقهما خطين رقيقين لا يراهما رجل غيري، واتبسم لها قبل أن أعيد لوجهها ملابسه وأتركها وأرحل.
قد تدفعني لترك العمل والجلوس على النيل، انظر للفتيات تارة وللنيل تارة، ثم أكتب "عاد جسدي إليك ، ولكن ضلت روحي الطريق"
قد تدفعني للقيام، للصيام، لأكون راهبًا في المحراب، أو عالمًا في الفزياء، أو الكمياء، أو شاعرًا أتلاعب بالكلمات، فأمدح هذا وأذم ذاك .
قد تدفعني لتغيير إيقاع الكتابة، أبطئ حينًا وأسرع أحيان، أو لإيجاد دلالات جديدة للكلمات، ومعان لم يسبق إليها غيري، قد تدفعني للرد على هاتفي في منتصف الليل لأقول لفتاة لا أعرفها "نعم، أحبك".
قد تدفعني للتفكير في "جنة الخلد" في الحور والقصور والأنهار والأشجار، أو أن أصنع من كلماتي "تمثالاً" للحوراء أهدمه في نهاية قصتي بكلمة جارحة.
أشتم من كلماتي رائحة الشعر، وإن كان كسيحًا لا يقوى على السير إلا أنه خير من غيره.
الغريب في الأمر أنني لا أريد "حبيبة" في حياتي، لا أريد أن أخدع أحدًا أو أضلله، ورغم ذلك أحن كثيرًا لدور المحب وأشتاق إليه كاشتياقي للأبوة التي هي أكبر آمال حياتي.
الآن أفكر .. لم بدأت هذه التدوينة ؟ كانت في ذهني فكرة، ضلت طريقها بين الكلمات، نعم .. نعم كنت أقول " قد تدفعني" والآن سأقول " بل دفعتني"






Tuesday, September 30, 2008

قصتي مع الملك

1- تعرفك ولا تعرفها

كان الخامس من يناير، استيقظت في العاشرة صباحًا، لم تتبق سوى ساعتين للذهاب للعمل، كنت وقتها أعمل محررًا في جريدة "الكورة اليوم"، الآن على أن استحم ثم اتناول الفطور قبل الذهاب للعمل.
كانت الجريدة على وشك الصدور بعد فترة من الإعداد العشوائي غير المنظم استمرت قرابة أربعة أشهر، كان العمل كثيرًا والجريدة أشبة بخلية نحل لإصدار العدد التجريبي قبل النزول للأسواق، لا أذكر تحديدًا ما كان يشغل بالي حين أحضرت أمي الفطور، ربما كان هذا الرجل الذي جعلني أكره الصحافة منذ أول تجربة حقيقة لي في المجال، أو ربما كان أرشيف اللاعبين الذي كان من المفترض أن أعده قبل بطولة كأس الأمم الإفريقية، لا اتذكر، المهم أن الفطور جاء وبدأت في الأكل.
توقفت عن الأكل بشكل مفاجئ، سمعت صوتًا غريبًا جاء من خلفي أو ربما من جانبي لا أعلم تحديدًا، قال لي " اليوم سترى فتاة كانت معك في الجامعة، تعرفك ولاتعرفها، ستراها في مكان لم تذهب إليه من قبل" ثم انقطع الصوت، نظرت خلفي فلم أر أحدًا، وكان هذا هو المتوقع، فأنا وحدي في الغرفة، لا أعلم مصدر الصوت، و لا أعلم إذا كان هناك من تكلم حقًا أم لا؟، كل ما أتذكره هو أن عقلى توقف عن التفكير بصورة مفاجئة وسمعت هذه الكلمات، لم أبال كثيرًا، فهناك أشياء تحدث ولا نفهمها، ربما يكون حديث نفس كما يقولون، أو أوهام أو أي شئ آخر.
ذهبت للجريدة، طالعني هذا الغراب بوجهه القبيح، سأل عن العمل وما الجديد ؟، جاوبته ثم انصرف كل منا إلى حاله، كنت أول من حضر من بين زملائي في القسم ، وهذا طبيعي فأنا أصغرهم سنًا وأقلهم خبرة، وأنا الوحيد المتفرغ بينهم، بدأت العمل على أمل الانتهاء في الوقت المحدد وهو السادسة مساءً.
في تمام الرابعة والنصف، رن هاتفي المحمول، نظرت للرقم، لا يوجد اسم مسجل ولكنني أعلم هذا الرقم جيدًا لقد رأيته أكثر من مرة، تذكرت .. هذا هو الصحافي الذي قال عنه الغراب " هو أفضل كاتب رياضي في مصر"، لكن ماذا يريد الآن؟، لقد اتفقنا أن نلتقي بعد يومين تحديدًا في السابع من يناير، ربما اتصل ليذكرني بالموعد، على أية حال يجب أن أرد لقد وعدني بعمل في مكان جيد ، وحتى إن لم يكن العمل كذلك فالرحيل من وجه هذا الغراب شئ حميد.
أجبت على الهاتف، كان الرجل يتكلم بسرعة رهيبة، و طلب مني أن أقابله لأن هناك اجتماعًا للجريدة الجديدة التي سأعمل بها معه، وصف لي العنوان وطلب مني أن أذهب للمكان بعد ساعة من انتهاء المكالمة، وهذه أزمة كبيرة، فأنا غير مسموح لي بالانصراف من العمل قبل السادسة ولو بدقيقة واحدة، كما أن العمل كثير، لم أخبره بذلك، وقلت في نفسي أحاول مع هذا الغراب علني أفلح.
بالفعل دخلت مكتبه واستأذنت وذكرت السبب، وعلى عكس المتوقع وافق الغراب وقال لي " ربنا يوفقك يا محمد"، كانت صدمة كبيرة، لم أتوقع أن يوافق من الأساس، لكن أن يوافق ثم يدعو الله لي، هذا أمر غريب !!
خرجت من "الكورة اليوم" في ميدان التحرير، وكان على الذهاب إلى وكالة الأنباء العربية في الجيزة، المسافة ليست بعيدة، لا تستغرق أكثر من نصف ساعة ولكن جهلي بالمكان، وهدوئي الزائد عن الحد تسبب في وصولي بعد ساعة ونصف، في السادسة مساءً.
وهنا كانت البداية، كان المكان جميلاً وفخمًا، وهو بالنسبة للكورة اليوم "جنة الخلد" الفارق بينهما كبير، دخلت المكان وسألت عن الأستاذ "س" الذي جئت لمقابلته، فأخبروني أنه في اجتماع وسينتهي بعد فترة، كان على أن أحضر هذا الاجتماع ولكن من الصعب الدخول خاصة أنني لم أر هذا الرجل من قبل، كل ما كان بيننا هو الحديث عبر الهاتف فحسب، فضلت الانتظار حتى انتهاء الاجتماع.
قال لي مسئول الأمن في هذا المكان "اتفضل استنى في الاستراحة لحد ما الاجتماع يخلص"، كانت الاستراحة مكانًا أنيقًا تصعد له سلم قصير، درجاته قليله، ثم تدخل حجرة صغيرة بها "أنتريه" وتجلس حتى تنتهي مصلحتك، لحسن الحظ، كان معي شاب آخر في هذه الاستراحة، جاء للعمل في نفس الجريدة، تعارفنا ثم تحدث معي كثيرًا عن هذا المكان وعمن يعملون فيه وعن المدير العام للمكان وغير ذلك، لقد كانت معلوماته جيدًا، وكان خائفًا بعض الشئ، تحدثنًا كثيرًا، على أمل أن ينتهي الاجتماع أثناء حديثنا و لكن شيئًا لم يتغير، وتحولت الربع ساعة إلى نصف ثم إلى ساعة كاملة، دون أن يلوح أي شئ في الأفق، مللنا ونظر كل منا للآخر، لقد انتهت الكلمات التي تقال في مثل هذه المواقف، وأصبح الصمت لزامًا علينا.
كان الغريب في جلستنا هذه أن هناك أكثر من خمسة أشخاص مروا من أمامنا ثم نظروا إلينا نظرة واحدة كأنهم دُرِبوا عليها، ثم انصرف كل منهم إلى حاله دون أن يتحدث بكلمة واحدة أو يلقي السلام.
مع مرور الوقت زادت هذه الوجوه التي تمر من أمامنا دون أن تتحدث، في البداية كنت التفت لكل من يصعد لهذا المكان أو يعبر من "الممر" الموجود أمامه والذي يوصل لصالة الاجتماع، لكن مع الوقت لم أعد أنظر لأحد، لقد فقدت الأمل في أن يتحدث أحد منهم.
بعد فترة تفاجأت بسواد يقترب من باب الغرفة، نظرت فإذا بفتاة تنظر إلى ثم بدأت الحديث ..
هي: " سلام عليكم"
أنا: بكل برود "عليكم السلام"
هي : حضرتك معانا هنا ؟
أنا : المفروض إن شاء الله
هي : وعملت الإنترفيو ولا لسه
أنا : لا لسه والله يا فندم
هي : بكل ذوق وأدب" ربنا يوفقك إن شاء الله"
أنا متصنعًا الأدب " ربنا يكرمك"
هي : أنت مش فاكرني ؟
أنا : لا والله
هي : أنا " ص" كنت معاك في الجامعة
أنا : "الجامعة " ؟؟؟؟؟؟؟؟
هي " اه بس كنت في قسم تاني، مش انت محمد فتحي كنت في صحافة
أنا : أه .. أنا محمد
هي : وأنا "ص" أنا مكتبي تحت لو احتاجت حاجة أبقى قلي
أنا : طيب هو استاذ "س" هيتأخر ؟
هي : لا زمانه نازل
أنا : متشكر أوي فرصة سعيدة
هي : العفو

الآن .. بدأت أتذكر ما حدث صباحًا، هذا الصوت الغريب، وكلماته التي تحققت بالحرف " اليوم سترى فتاة كانت معك في الجامعة، تعرفك ولاتعرفها، ستراها في مكان لم تذهب إليه من قبل "...

تستكمل